المقالات | التعليقات | البريد

جمـيلة بوحيــرد : الأسطـــورة والرمز ..

بقلم:

المحرر | دراسات وأبحاث | 2010.06.9


بقلم الدكتور عبد الله حمادي/

1 – المسار الحياتي لجميلة بوحيرد :

إنّ الحديث عن حياة جميلة بوحيرد حديث يشبه القبض على السراب لأنّ الأمر ببساطة يتعلّق بأسطورة حيث لم يحدث عبر التاريخ أن تأسطرت حياة كائن بشري وهو حيّ يرزق ويمشي بين النّاس ويتنفّس هواءهم ويتقاسم معهم مسرّات الحياة ومآسيها لكن ، في ذات الوقت ، يحافظ على هالة القداسة الأسطورية التي تجعل منه شخصا ينتمي للماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد وكأنّ العناية الإلهية تريد أن تجعل من هذا النّوع من البشر كائنات غير طبيعية تتحدّى بصيرورتها حدود الزمان والمكان فذلك هو شأن المجاهدة الخالدة جميلة بوحيرد التي أبت مسيرتها الحياتية إلاّ أن تكون جزءا من الصيرورة الأبدية .
لذا ؛ لمّا يريد الباحث أن يرسم مسارا حياتيا لهذه المرأة الأسطورة تحول دون بلوغ غايته إشكالات عدّة ، فيجد نفسه في حلّ من أمره ؛ لأنّه ببساطة بصدد تحديد ما لا يحدّ وتعريف ، ما لا يعرّف وتشكيل ما لا يشكّل لكن رغم كلّ هذه المعوّقات سنسعى جاهدين قدر المستطاع إلى تقديم بعض الملامح المعبّرة عن حياة هذه المرأة الأسطورة ولو من خلال تعريف مقتضب ومشوّش أحيانا علّنا نقف عند بعض المحطّات الجديرة بالتّذكير والتدبّر في مسيرة حياة هذه المرأة الخالدة .
إنّ جميلة بوحيرة الشهيدة الحيّة والأسطورة الجزائرية الأبدية هي واحدة من بين ثلاث جميلات أنجبتهنّ الجزائر ليكنّ شهادة صدق حيّة على عصر عصيب عرفه تاريخ الجزائر الحديث … إنّهنّ ثلاث تركن دوياّ تجاوز مداه حدود الزمان والمكان وكسرن مسافات الزمن الخطّي الثابت وعبرن إلى ساحل البقاء الأبدي ..
إنّهن ثلاث نساء ، لا ككلّ النّساء ، جزائريات المنبت ، كتبن بأحرف من دماء ودموع صفحات من تاريخ الجزائر المجاهدة من أجل استرجاع سيادتها المغتصبة من طرف الاستعمار الفرنسي .
إنّهن جميلة بوحيرد وجميلة بوعزّة وجميلة بوباشا … ثلاث جميلات : أمّا جميلة بوعزّة فقد ولدت بالعفرون ولاية البليدة عام 1937 وانخرطت في الثورة الجزائرية عام 1956 وهي آنذاك طالبة في الثانوي وعملت كفدائية ضمن المجموعات المسلحة التي تنشط بالعاصمة الجزائرية حيث أوكلت لها مهمّة زرع القنابل وتمرير السلاح إلى أن اعتقلت عام 1957 وأودعت السجن وفي غياهبه ذاقت مختلف أنواع التعذيب والتنكيل إلى غاية إطلاق سراحها عشية عيد الاستقلال عام 1962 .
أمّا ثانية الجميلات فهي جميلة بوباشا التي ولدت بالعصمة الجزائرية عام 1938 وانخرطت مبكّرة في صفوف جيش التحرير الوطني الجزائري عام 1955 وهي لا تزال في طور التتلمذ في المدارس وأوكلت لها مهمّة نقل الأدوية والوثائق السرّية وإيواء الثوّار إلى أن اكتشف أمرها واعتقلت من طرف السلطات الاستعمارية الفرنسية في 09 من سبتمبر عام 1960 وأودعت السجن وتعرضت هي الأخرى إلى أبشع أنواع التعذيب والترهيب لكنّها ثبتت إلى غاية إطلاق سراحها عام 1962 .
أمّا ثالثة الجميلات ، وهي موضوع حديثنا ، فهي الشهيدة الحيّة والأسطورة الخالدة ، جميلة بوحيرد التي عرفت نور الحياة حين جاءت إلى الوجود الجزائري بعاصمة الجزائر في سنة 1935 ، وهي أكبر الجميلات سنّا ، وأشهرهنّ لأسباب عدّة سنأتي على ذكر بعض منها في مسار حديثنا . إنّ حياة جميلة بوحيرد يكتنفها الكثير من الغموض كحياة كلّ الأساطير ، ولو أردنا تتبّع مسار حياتها بالتّفصيل منذ الطفولة إلى عام الحكم عليها بالإعدام عام 1958 ، أو إلى يومنا هذا من عام 2007 لعزّ ذلك وتعذّر الأمر على كلّ باحث وذلك نظرا لصمت المناضلة المطبق سواء أيّام حرب التحرير أو بعد الاستقلال أو حتّى في أيّامنا هذه ، فما يمكن أن يظفر به الباحث هو بعض الإفضاءات القليلة والنّادرة التي أدلت بها المجاهدة جميلة في مناسبات نادرة ومحدودة حيث كشفت من خلالها جميلة بعض أسرارها الخاصّة والتي عادة ما يشوبها التلميح أكثر من التّصريح . فأوّل هذه الوثائق هي: مجلّة الحدث العربي والدولي التي تصدر بباريس وكان لها فضل السبق في الاحتفاظ بنشر لقاء صحفي مطوّل نسبيا مع جميلة بوحيرد من إنجاز الصحفي قصي صالح الدرويش حيث أجري هذا الحوار التّاريخي معها عام 1968 بعد اعتزالها الأحاديث الصحفية عام 1963 ، لكن مجلة الحدث العربي كان لها فضل السّبق في نشر هذا اللّقاء في عددها الرابع والعشرون من شهر تشرين الثاني عام 2002 .
أمّا الوثيقة الثاّنية فكانت من إعداد الأديب الصديق عبد الوهاب حقّي المعنون بـ” جميلة بوحيرد : طود شامخ وتاريخ أمّة ” نشر في جريدة الأحرار عدد : 2410 يوم 01 فبراير 2006 وهو حديث العهد . أمّا ما دون ذلك فهو الظلام المطبق والصمت الرّهيب حيال حياة جميلة بوحيرد الرّمز الثّابت والأسطورة الحيّة والتي يمكن أن تكشف عن بعض تفاصيل يومياتها النضالية الوثائق البوليسية لشرطة الاحتلال الفرنسي من خلال محاضر الاستنطاق والتعذيب وغيرها من محاضر الحكم بالإعدام عليها عام 1958 .
إذن من خلال هذه الافضاءات القليلة نعرف أنّ جميلة بوحيرد تنتمي إلى عائلة متجذّرة في النّضال الوطني حيث يوجد معظم أفراد عائلتها من جهة الأمّ أو الأب ضمن صفوف الحركة الوطنية وبالتّالي فقد ورثت جميلة هذا الانتماء المكرّس للوطن والنّضال من أجل حرّيته واسترجاع سيادته ؛ فلا غرابة إذا سارت على هذا الدّرب المتأصّل بالوراثة في كيانها ، ومن هنا كان التحاقها بصفوف الثورة عام 1956 التحاقا مصيريا واختيارا لا رجعة فيه فكما تقول في إفضاءاتها أنّ الأمر لم يكن ميسّرا في البداية لأنّه لا يتعلّق برغبة جامحة أو نزوة عابرة بل يتعلّق باختيار مصيري وكان لإحدى رفيقات دربها الدّور الهام في فضّ إشكالية التردّد بحيث تمّ التحاقها برفاق الثورة بواسطة إحدى المناضلات في بعض الأ حزاب الحركية عام 1956 ، فكان هذا التّاريخ نقطة تحوّل كبرى في حياتها قرّرت بموجبه ترك مقاعد معهد الخياطة لتلتحق بالكتائب الثورية الأولى وهي لم تتجاوز من العمر العشرين سنة.
كلّفت في بداية مسارها الثوري من طرف عمّها المجاهد مصطفى بوحيرد بالسهر على إطعام وخدمة رفاق السلاح بالقصبة المجاهد ياسف سعدي وعلى لابوانت وعليلو … ، ثمّ تمّ اعتمادها بعد التمرّس كفدائية جريئة مهمّتها أن تقضّ مضاجع الأعداء ودكّ إقامات راحتهم في معاقلهم المحصّنة وذلك بزرع المتفجّرات التي كان بيتها بالقصبة أحد الورشات التي تصنع فيها مثل هذه القنابل المحمولة عادة في القفاف المهيأة للخضر والفواكه والتي كثيرا ما أفزعت بيجار وزبانيته …
وكان أهمّ عملية تاريخية قامت بها جميلة بوحيرد هي التي استهدفت الملهى الفرنسي المعروف آنذاك باسم ” ميلك بار ” في 26 جانفي 1957 والذي يقع اليوم في ساحة الأمير عبد القادر . إنّها العملية التي ألحقت بالمستعمر هلعا لا مثيل له وزرعت في قلوب المستعمرين الرّعب ممّا جعل السلطات الاستعمارية تضع جميلة على رأس قائمة المطلوبين أحياء أو أمواتا ، ولم يهدأ بال المظليين الفرنسيين حتّى ألقي القبض على جميلة في 09 أفريل عام 1957 وذلك بعد تعرضها لإصابة بالغة الخطورة في ساقها في إحدى المواجهات الدّامية مع دورية المظليين الفرنسيين في إحدى تمشيطاطهم وحصاراتهم المشدّدة والدّائمة لأزقّة القصبة المتمرّدة . في تاريخ هذا السقوط الشّامخ عثر على وثائق سرّية بحوزة جميلة بوحيرد تكشف مخطّطات جبهة التّحرير ووثائق أخرى موجّهة إلى المجاهد عبّان رمضان مع مبلغ مالي يقدّربـ: 800.000 فرنك فرنسي .
من هذا التّاريخ البطولي تبدأ حياة جميلة بوحيرد الأسطورية ، ومن هذا التّاريخ الذي لم تكن جميلة قبله تعني شيئا كبيرا سوى كونها مناضلة كباقي أخواتها الأخريات ، إلاّ أنّ هذا التّاريخ ، وما ترتّب عنه من أحداث ، سيرفع من قامة جميلة النّضالية ليجعل منها الرّمز الخالد الذي يجسّد الرّوح النضالية والقتالية لثورة التحرير الجزائرية .
لقد مارس الاستعمار الفرنسي الحقود في حقّ هذه الفتاة الجزائرية المناضلة أبشع أنواع منكرات التعذيب والتّنكيل ، وتعرّضت خلال استنطاقها إلى أقذر ما يمكن أن يخطر على بال كائن بشري سويّ فتقول جميلة في إحدى شهاداتها : ” أنّها تعرّضت في 29 أفريل 1957 إلى استنطاق وتعذيب متواصلين وذلك في المستشفى العسكري بمايو … لقد قاسيت لمدّة ثلاثة أيّام عذاب الضّرب العنيف والكي بالكهرباء إلى أن يغمى عليّ ، فصرت أهذي ..” (جريدة الأحرار ) وتجاوزت حدود التعذيب إلى درجة التحرّش الجنسي والنّيل من شرفها ، بل تهديدها باستباحة عفّتها من طرف أحد السينيغاليين المنضوين في الجيش الفرنسي المعروف باللفيف الأجنبي وذلك على مرأى ومسمع من الجميع ، فتذكر جميلة بوحيرد مسترجعة هذه الذكريات الأليمة من جرائم الاستعمار الفرنسي البشعة قائلة : ” … ولمّا أنكرت كلّ التّهم ضربوني على جرح يدي النّازف … وأبقوني هكذا أتعذب كلّ يوم ، بل كلّ ساعة ولم يجلبوا لي طبيبا ليكشف عليّ إلاّ بعد أشهر وفي الأخير قدّم تقريرا مزوّرا عن إصابتي وأنكر وجودها ووجود آثارها لأنّه كان طبيبا متواطئا ” ، ولم يكتف زبانية الاستعمال بهذا التّعذيب بل مارسوا عليها شتّى أنواع الضغوط النفسية والجسدية والتي طالت حتّى اعتقال أخوتها وبخاصّة أصغرهم سنّا علّ ذلك يجبرها على الاعتراف بمكان وجود شركائها ورفاقها في النضال من أمثال ياسف سعدي وعلى لابوانت المطلوبين أحياء أو أمواتا ..
لكن كلّ أنواع التّعذيب لم تجد معها نفعا ، ولم يتمكن الجلادون من الظفّر بأيّ سرّ من أسرار التنظيم الثوري الذي تنتمي إليه المجاهدة جميلة وهو ما حدا بقضاتهم العسكريين إلى إصدار حكم الإعدام في حقّها وفي حقّ رفيقة دربها النّضالي جميلة بوعزّة وذلك في 13 من شهر جويلية عام 1957 وتمّ تأجيل إعلان الحكم في اليوم الموالي لمصادفته للرابع عشر من جويلية عيد انتصار الثورة الفرنسية ويوم فرنسا الوطني الذي يحمل الشعار الثلاثي الأبعاد : العدالة والإخاء والمساواة … فيا لها من شعارات تصادر بموجبها حريات الشعوب المستعمرة ولا تقدّر حقّ الشعوب في تقرير مصيرها ؟ وقد سجّلت جميلة بوحيرد هذه الذّكرى الأليمة في أوّل حوار أجرته بعد الاستقلال قائلة فيه : ” … كان أجمل يوم في حياتي لأنّني كنت مقتنعة بأنّني سأموت من أجل أروع قصّة في الدّنيا ، وما زلت أذكر أنّنا عهدنا من قاعة المحكمة إلى السجن وصرخ الأخوة المساجين يسألوننا عن مضمون الحكم … أجبنا بالنّشيد الذي ينشده المحكوم عليهم بالإعدام ومطلعه : ” الله أكبر تضحينا للوطن … كنت أنا وجميلة بوعزّة ، وكانت لحظة مؤثّرة فآلاف وآلاف الأصوات ردّدت معنا النّشيد محاولة تشجيعنا ..”
وكان يمكن أن يمرّ تاريخ إعدام جميلة كما مرّت تواريخ إعدامات كثيرة في حقّ الجزائريين والجزائريات بدءا بزبانة ولكنّ المقادير قيّضت لجميلة ومسارها النّضالي ظهور رجل في حياتها وفي مسار الثورة التحريرية ليجعل من صمودها وثباتها تاريخا خالدا واستثناء لا مثيل له في الوجود المقاوم … إنّه ظهور رجل يقال له بكلّ بساطة جاك فارجيس الممارس لحرفة المحاماة والمنتمي في أصوله العرقية إلى إحدى المستعمرات الفرسية المعروفة باسم جزيرة ” رينون ” التي ترزح بدورها تحت نير الاستعمار الفرنسي ، وبالتّالي فهو ليس فرنسي الأصل ومن هنا جاء تفانيه في حبّ الدّفاع عن حقوق المستضعفين في الأرض والمضطهدين من أمثال الجزائريين ووصولا إلى الفلسطنيين ، وقد أدّت به هذه التجربة التي رافع من خلالها عن حقّ جميلة في الحياة إلى تأليف كتاب حول نضالها بعنوان ” جميلة بوحيرد ” بالاشتراك مع الكاتب الفرنسي جورج آرنو .
لكنّ هذا المحامي المسبّل بلغة ثورة التحرير الجزائرية لم يجد الطريق أمامه سهلا للدفاع عن حقّ جميلة في الوجود وإقناع القضاة بعدالة قضيّتها بل رفضت المحكمة الفرنسية اعتماده وتعرّض لمحاولات اختطاف واغتيال إلاّ أنّ تصميمه وإيمانه بعدالة قضيّة جميلة وأمثالها مكّنه من المرافعة عن جميلة التي ساعدته هي الأخرى باستماتتها ورفضها للإدلاء بأيّ جواب عن أسئلة المحكمة ما لم يكن في حضور جاك فارجيس محاميها المقتنعة بدفاعه .
كلّ هذه الأحداث المتشابكة والتعقيدات المثيرة أعطت إلى قضيّة جميلة بوحيرد ورفيقاتها الأربع زخما إعلاميا وبعدا دوليا تكفّلت به المنظّمات الإنسانية العالمية التي جرّمت الاستعمار الفرنسي وأجبرت محكمته على التنازل مكرهة على حكم الإعدام والقبول بالحكم بالسجن من أجل تحسين صورة فرنسا التي ألحقت بها مثل هذه الجرائم مساسا صارخا بتاريخها ومبادئها ، وهو ما جعل جميلة ورفيقاتها ينقلن إلى أحد سجون فرنسا إلى غاية الإفراج عنهنّ في تاريخ استقلال الجزائر عام 1962 .
وكان لا بدّ في نهاية هذا المسار المؤلم أن يطرح على جميلة بوحيرد الرّمز والأسطورة العديد من الأسئلة ، والتي من بينها ، هذا السؤال المحرج من أولئك الذين اعتبروها ملكا مشاعا لكلّ الشعوب المظلومة وخاصّة العربية منها والإسلامية ، ومغزى هذا السؤال هو في كيفية إقدامها على الزّواج من محاميها جاك فارجيس المسيحي الفرنسي ؟ تردّ جميلة على محبّيها والغيورين على تاريخها الذي يفخرون به ضمن الحوار الأوحد قائلة : ” … لقد وصلتني مئات الرّسائل من جميع بلدان العالم الإسلامي حتّى من باكستان ، لقد كانوا يعتبرونني ملكا عاما ، وليس ملكا لنفسي ، وأنا أفهمهم ولكنّ الحقيقة أنّ فارجاس اعتنق الإسلام قبل أن اتزوّجه وما كنت لأتزوّجه أبدا لو لم يكن مسلما ” ( الحدث العربي42) .

2 – جميلة بوحيرد بعد استقلال الجزائر عام 1962 :
لا يمكن الظّفر بالشّيء الكثير ، إن لم نقل انعدامه ، وذلك نظرا لالتزام جميلة الصّمت المطبق والعيش البعيد عن الأضواء ، والقدرة الفائقة والفريدة التي ألزمت بها نفسها حتّى لا تقع ، فيما وقع فيه غيرها ، من تسويق لشخصها وتاريخها وجهادها الذي كان خالصا لوجه الجزائر ، وهو الحدث النّادر الذي لم يظفر به حتّى كبار الصّحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم من المجاهدين الأخيار إلى يومنا هذا لذا فلا ينتظر من الباحث أن يقدّم شيئا ذا قيمة معتبرة في مثل هذه الأحداث وحول مثل هذه الشخصيات الخارقة للعادة … ولعلّنا ونحن نسترجع مثل هذه الذكريات البطولية وشبح المجاهدة الرّابضة في عرينها يقرضنا باللاّئمة الجميلة ويطلب منّا الرّفق بشبح المجاهدة الأسطورة أو الشهيدة الحيّة القابعة على مقربة منّا ، وفي الوقت ذاته المتسامقة عنّا بتاريخها المجيد ونضالها الأوحد ، فكيف لنا ونحن البشر الضعفاء استنطاق الأساطير العجيبة والتماثيل الخالدة ؟ إنّها وحدها القادرة على أن تلهمنا الحقّ في استقرائها كيف ما شئنا وهو ما يجعلنا نقول لقد فارقت جميلة الحياة منذ أن قرّرت أن تهب روحها فداء للجزائر ، وقد ألحّت أكثر منذ أن تحوّلت إلى رمز تغنّى به جيلها والأجيال من بعده لذا خلّدها الشعر وخلّدتها الملاحم الشعبية ومختلف النصوص الإبداعية التي هي ملك للجماهير كما نعرف وحقّ مشاع يهزأ بالحدود والقيود ويأسف لحال الجلاّدين القابعين في مزابل التّاريخ الذي لا يرحم .
لقد عاشت جميلة وفيّة لمبادئها ، وهو ما جعلها كبيرة وأكبر، وظلّت وستبقى الرّمز الخالد والأنموذج الأمثل للمجاهدين الصّادقين الذين يحقّ للتّاريخ أن يقول عنهم وحدهم : ” وما بدّلوا تبديلا ” وليسوا كألئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى وقبضوا ثمن أتعابهم وتنكّروا للثّورة واستبدلوها بالثّروة وسادوا على رقاب النّاس بالباطل فأكلوا التّراث أكلا لمّا وأحبّوا المال والسلطة حبّا جمّا ؟ إنّ أكثرهم لم يكتف بأكل حقّ جيله بل تجاوز ذلك إلى أكل حقّ الأجيال الأخرى وحتّى القادمة وتمسّكوا بشرعية كان أولى بهم لو تركوها تاجا يزيّن جباههم ومآثرهم كما يزيّن اليوم جميلة وأمثالها .
إنّ جميلة بوحيرد الأسطورة والكبرياء والشموخ هي وحدها جديرة بالإحترام والتّقديس لأنّها تمثّل رمز الحرّية والعطاء الذي يمنح ولا يأخذ ، ويضحّي ولا ينتظر المقابل الرّخيص. إنّ جميلة الأمس واليوم وغدا تعيش في عمق الجزائر يلسعها بردها ويلفحها حرّها ويصيبها جوعها وعطشها وتهزّها مسرّاتها ومآسيها ؛ إنّها بعيدة عن هيلمان ما يسمّى بالحقوق المشروعة ولا هي ضمن الصفوف المرصوفة لما يعرف بذوي الحقوق وانعدام الواجبات ولا هي حتّى من الرجال الواقفين ؛ إنّها في تقديرنا أكبر من كلّ ذلك ، وأنبل من كلّ ذلك وأعظم من كلّ ذلك لذا نجدها منذ استقلال الجزائر حيث ما حلّت هلّلت لها الجماهير واحتضنها أذرع المحبّة من الأردن إلى العراق إلى مصر إلى الكويت إلى سوريا ، لقد تحوّلت إلى معبودة الجماهير وبخاصة عقب استقلال الجزائر فهي مواطنة شرف في سوريا والعراق وتحمل رتبة شرفية في الجيش السوري والأكبر من كلّ ذلك أنّه عرض عليها بعد استقلال الجزائر وزمن اقتسام الغنائم أن تكون نائبة في البرلمان ففضّلت ترك مقعدها لم هو أكفأ منها ، فأيّ نبل هذا ، وأيّ عظمة وكبرياء يمكن أن توصف ؟.
لقد فضّلت أن تكون عينا راصدة للجزائر ولم تتردد في توجيه العتاب واللّوم، وأحيانا الانتقاد لرفاقها في السلاح الذين فضّلوا المناصب واستحوذوا على رصيد الثورة والثّروة . ولم تتأخّر عن المواعيد الحاسمة والمصيرية كتاريخ 1982 الذي شهد مظاهرات عارمة للمرأة الجزائرية واحتجاجها على قانون الأحوال الشخصية الجائر في حقّها كإنسان وكامرأة ، كما أنّها لم تتأخّر في الإعلان عن رغبتها في المشاركة في الثورة الفيتنامية ضدّ الإمبريالية الأمريكية ، كما أنّها لم تتأخّر في الإعلان عن رغبتها أيضا في الدّفاع عن فلسطين المحتلّة ، لكن الجميع من أحرار العالم قدّروا فيها مساعيها النّبيلة لأنّهم كانوا يدركون ما بجسمها من حرائق وعذابات …
كما لم تتأخّر جميلة عن الإعلان عن مواقفها بعد الاستقلال مباشرة كرفضها للأحكام الجائرة التي صدرت في حقّ بعض المجاهدين ، كما لم تتردد في التدخّل لدى الرّئيس بومدين من أجل أن يمنح العفو للمجاهد الذي حاول اغتياله وكان طلبها مجابا لدى بومدين .
كانت جميلة ، ولا تزال ، ترفض التّكريمات الرّسمية والظهور أمام الأضواء الكاشفة وكان عزاؤها أنها لا تريد أن تتقدّم في هذا المجال عن الذين ظفروا بالشهادة في ميدان المعركة التحريرية وتراهم الأجدر بالتّشريف في حين أنّ الأحياء من أمثالها فالواجب يقتضي منهم مرافقة الحياة في كامل أحوالها بحلوها ومرّها ، ولعلّ مردّ ذلك أيضا إلى ما جبلت عليه حياتها النضالية التي كانت تكتنفها السريّة التي هي إحدى أبجديات الكفاح المسلّح لمقارعة العدوّ .
إنّ الوثائق القليلة التي عدنا إليها تؤكّد أنّ هذه المرأة قرّرت منذ 1963 نكران ذاتها ، فكما تنازلت عن حقّها المشروع في كرسيّ النّيابة تنازلت أيضا عن حقّها في الاستحواذ على أملاك الجزائر، وقد ذكر لي مرّة المجاهد عبد الرزّاق بوحارة أنّه حظي باستقبالها لمّا كان واليا للجزائر العاصمة وطلبت منه أن يمنحها مسكنا يأويها فعمل جهده وأكرم مسعاها ببيت في أعالي العاصمة ، وهو أقلّ ما يمكن أن يمنح لمثيلاتها ، لكن من حسن حظها أنّها أبطأت في تسلّم هذا البيت فطاف عليه طائف من رفاقها في الجهاد واحتلّه كما جرت العادة بذلك فما إن وصلها الخبر حتّى بادرت بالتنازل له عن طيب خاطر وآثرته عن نفسها وكانت بها خصاصة . ولعلّ آخر الأخبار عن مستقرها الحالي هو إحدى عمارات حي حيدرة ، ومن سوء حظها أنّ نصيبها كان في الدّور الثامن وربّما مثل هذا الجزاء هي ضريبة سموّ النّفس والعزّة والكبرياء الحقيقية وليست الشعارات الممجوجة والوعود الوهمية … هذه باختصار مخلّ مسيرة حياة هذه المجاهدة الأسطورة التي تعيش بين ظهرانينا لكنّنا نقرأ عنها ونسمع عنها ولا نراها لأنّها فضّلت أن تسكن القلوب أو تكون فكرة كما قال الشاعر العراقي جواد البدري في قصيدة موجّهة إلى جميلة تحمل عنوان ” أنا فكرة ” جاء فيها :

أقتلوني
أنا فكره
في العقول النيّره
في النّفوس الخيّرة
في دموع الكادحين
في قلوب الطيّبين
عبر آلاف السنين
مستقرّه
أنا فكره ….

أنا إن قيّدني الباغي
بقيد من حديد
وتدمّى جسدي العاري
بضربات البليد
بسياط ولهيب
فلأنّي رمز شعب لا يحيد
ولأنّي حرّة تأبى الخضوع
والمذلّة
أنا حرّه
أقتلوني أنا فكره
أسحقوني أنا زهره …
أنا رمز لنضال الشعب من أجل السلام
وشعار الودّ والإخلاص في دنيا الوئام
أنا إن ضحّيت بالنّفس وغايات المرام
فلأجل الحقّ أمضي وأضحّي
بثباتني وبعزمي
سوف أمضي في طريقي مستمرّه
أسحقوني أنا زهره
عذّبوني أنا حرّه ….
( سعدي : الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ، ج1 ص: 280 )
رمز جميلة بوحيرد في الشعر العربي المعاصر
لا يوجد في تاريخ الجزائر رمز احتفى به الشعر العربي مثل رمز جميلة بوحيرد ، وربّما يأتي بعد هذا الرّمز في التّرتيب رمز ” الأوراس ” ورموز أخرى مثل ” وهران” وغيرها . لقد استحال اسم جميلة إلى موضوع يلهم الكتاب شعرا ونثرا ، وتجاوز ذلك إلى فنون إبداعية أخرى كالسينما التي احتفت بدورها برمز جميلة المناضلة الثّائرة وخلّدتها في فلم مصري أدّت بطولته الفنّانة المصرية ماجدة الخطيب لكنّه عمل على ما يبدو لم يرق للبطلة الحقيقة جميلة بوحيرد وقالت عنه في الحوار الذي نشر في مجلة الحدث العربي والدولي :” … كان فظيعا … ولم نكن هكذا أبدا .. ” ( ص: 42 ) .
كما كتب عنها الأديب السوري الأصل والجزائري الجنسية صديقنا الأستاذ عبد الوهاب حقّي مسرحية تحمل عنوان ” جميلة ” وأخرجها بنفسه وقام بأدائها فرقة ” أصداء المسرح ” في مدينة دير الزور بسوريا الشقيقة ، وطافت هذه المسرحية في العديد من المحافظات السورية ومنح ريع مداخلها إلى جيش التحرير الجزائري كتعبير عن التّضامن مع الثورة الجزائرية .
أمّا الشعر فكان فيه لرمز جميلة حصّة الأسد إذ أحصيت من خلال جهود الدكتور عثمان سعدي وبعض الصحف والمجلاّت العربية كمجلّة الآداب البيروتية ما يزيد عن ستين ( 60 ) قصيدة مهداة كلّها إلى جميلة ، ومشيدة بنضالها وثباتها ، وجاءت كلّ هذه القصائد مؤرّخة بعام 1958 تاريخ إصدار حكم الإعدام في حقّها … وهو عدد هائل من القصائد وهو كفيل بأن يقوم مقام ديوان شعريّ بامتياز ، وليته يصدر في العام المقبل عام 2008 ذكرى مرور خمسين سنة على هذا الحدث الجلل ، ويكون بمثابة التكريم الحقيقي لنضال جميلة وأخواتها لأنه يتلاقى مع رغبة المناضلة ورغبة الشعراء الذين جعلوا منها فكرة قبل أن تكون حدثا تاريخيا .
لقد شارك في هذا الحشد الهائل كوكبة من شعراء الخمسينيات صار بعضهم أسماء لامعة في دنيا الشعر العربي الحديث والمعاصر من أمثال نزار قباني وسليمان العيسى وعيسى الناعوري ونجيب سرورمن سوريا وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السيّاب وشفيق الكمالي ونازك الملائكة وعلى الحلّي من العراق وعبد المعطي حجازي وحسن فتح الباب من مصر ومحمد الفيتوري من السودان حيث نشرت معظم قصائد هؤلاء آنذاك في مجلّة الآداب البيروتية مؤرّخة جلّها ابتداءا من الفاتح من عام 1958 وجاءت جلّ القصائد معنونة بعناوين موحية بالتّضحية والفداء ” كالقدّيسة ” لعبد المعطي حجازي ، و” إلى أختي جميلة ” كما فعل بدر شاكر السيّاب ، و ” أنا فكرة ” كما فعل الشاعر جواد البدري ، أو ” رسالة إلى جميلة ” كما فعل حسن فتح الباب ومحمد الفيتوري ، أو ” جان دارك العروبة ” كما فعل حميد حبيب الفؤادي و على الحلّي ، أو ” المسيح الذي أعيد صلبه ” كما فعل عبد الوهاب البياتي ، أو ” جميلة الجزائرية ” كما فعل عيسى النّاعوري ، أو ” فتاة العروبة ” كما فعل محمد راضي جعفر ، أو ” نحن وجميلة ” كما فعلت نازك الملائكة ، أو ” الجمعة الحزينة ” كما عنون نجيب سرور الذي افتتح قصيدته بهذه العتبة النصّية قائلا فيها : ” كتبت هذه القصيدة مساء الخميس 07 مارس 1958 وكان قد حدّد يوم الجمعة التّالي لإعدام المجاهدة الجزائرية جميلة وقد انتصرت الإنسانية على هذا اليوم فانتصرت بذلك على أحد أيّام الجمعة الحزينة التي تنتظرها في الطّريق إلى حياة أفضل ” جاء فيها قول الشاعر ”

غفرانك فالعين بصيرة
وذراعي يا أخت قصيره
جــدّ قصيــره …
والكفّ بها كلمات عزاء
لا تجدي في يوم الجمعة
غفرانك … إنّني لا أملك إلاّ شعري
وعذابا ينهش في صدري
والحمّى … والحزن الضّاري
وسعالي في يوم الجمعة
ولقد كنت كرهت الشعر …
هجرت الشعر
من عام لم أكتب شعرا … ما جدواه
ما جدواه لبؤس العالم … ما جدواه
ما جدواه بيوم الجمعة يا أختاه …
( مجلة الآداب ، السنة السادسة ، عدد: 4 ن نيسان 1958 ،ص:9)

لقد توالت في عام 1958 قصائد شعراء العربية وتباينت رؤيتها حول الموضوع إلاّ أنّها أجمعت على إدانة الحدث ووحدت رؤيتها التّضامنية مع جميلة لأنّ البعض خاطبها بلهجة الأخوة الصّادقة كما فعل بدر شاكر السيّاب حين قال :

… يا أختنا المشبوحة الباكية
أطرافك الدّامية
يقطرن في قلبي ، ويبكينا فيه
لم يلق ما تلقين أنت المسيح
أنت التي تفدين جرح الجريح
أنت التي تعطين … لا قبض الرّيح
يا أختنا ، يا أمّ أطفالنا
يا سقف أعمالنا
يا ذروة تعلو لأبطالنا
ما حزّ سوط البغي في ساعديك
إلآّ وفي غيبوبة الأنبياء
أحسست أنّ السوط أنّ الدّماء
أنّ الدّجا أنّ الضحايا هباء
من أجل طفل ضاحكته السماء
فرحان في أرضه
وبعضه فرحان من بعضه
أحسسته يحب على راحتيك
سمعته يضحك في مسمعيك
يهتف : يا جميلة
يا أختي النّبيله
يا أخت القبيله
لك الغد الزّاهي كما تشتهين
أنت إذ أحسست … إذ تسمعين
تعلو بك الآلام فوق التراب
فوق الذرى ، فوق انعقاد السحاب
تعلين حتّى محفل الآلهه
كالربّة الوالهه
كالنّسمة التّائهه ..
( ديوان السياب ج 1 ص:388)
أمّا الشاعر المصري عبد المعطي حجازي فرأى في صمود جميلة ما يرفعها إلى مرتبة القدّيسين لذا سمح لنفسه أن يخاطبها مباشرة بتسمية ” القدّيسة ّ في قصيدته التي ذكّر فيها العالم بالمسارات النّضالية لهذه المرأة الاستثناء قائلا :
لم تتحسس صدرها
حين اغتنى وصار رمانا
ولم تكلّم في أمور الحبّ إنسانا
فقد قضت عمرها
حاملة رسالة من التّلال
على مخابئ الرّجال في المدينة
قدّيستي … كان اسمها جميله
كان اسمها جميله
والعمر عمر الزّهر
لكنّ الربيع غادر الزمان
لمّا أتى القرصان
عشرون عاما فوقها مائة
منذ أتى القرصان حلّت أوجه الأحزان
يا ويلتاه بطولها لم يبتسم إنسان
لم تبتسم جميلة …
رسالة في يدها وكلمة في فمها
من هاهنا
وكلّ ما مرّت على جماعة من قربها
يتمتمون في أسى مرير
كادت تصيح : إنّني من جبهة التّحرير
وإنّني أعلم عن رجالنا الكثير
وإنّني لست حزينة
وكلّما تذكرت ياسف
كادت تطير
ياسف تحت الأرض يمسك بالمدينة
ياسف من خمس سنين لم ينم
ياسف عند ما يراها يبتسم
يحب ترديد اسمها
يسألها عن أمّها
وانطلقت رصاصة
مضت تسير
رصاصة ثانية تمدّدت في عظمها
وثالثة .
قدّيستي تغسّلت في دمها
قدّيستي صلّت لأجلها مدائن
دقّت نواقيس
وكبّرت مآذن
طارت الطيور في النّواحي باسمها
جميلة الجميلة
تعلم أنّ حولها ألف رسول
سيحملون بعدها الرّسالة
لكن ترى من غيرها يقول :
أهواك يا ياسف …
لكنّ الشاعرة نازك الملائكة المرأة والإنسانة فضّلت أن تخاطبها بغريزة الأمومة وتضفي عليها من الحنان والأحاسيس ما جعل من جميلة امرأة تتألم وتبكي ككلّ كائن بشري حين يشتدّ عليه القيد وتدمى نفسه من العذابات وهو ما جعل النّاقدة سلمى خضراء الجيوسي تأخذ على نازك هذا الهبوط بالرّمز إلى درجة القبول بالألم ككلّ كائن ضعيف ، فخاطبت نازك جميلة في فصيدة حملت واو المعية قائلة : ” نحن وجميلة ” :
جميله تبكين خلف المسافات ، خلف البلاد
وترخين شعرك ، كفك ن دمعك فوق الوساد
أتبكين أنت ؟ أتبكين جميله ؟
أما منحوك اللحون السخيّات والأغنيات ؟
أما أطعمك حروفا ؟ أما بذلوا الكلمات ؟
ففيما الدّموع إذن يا جميله ؟؟
( ديوان نازك : ج 2 ص: 208 )
وأصرّ معظم الشعراء العرب على مباهاة الغرب وبالتحديد فرنسا ” بجان دارك العروبة ” التي عرفها الكفاح الجزائري المسلّح فهذا حميد حبيب الفؤادي يعنون قصيدته ” جاندارك العروبة ” قائلا :
إيه جميلة فالنّضال
دعاك ” جان دارك ” العروبه
خلّدت أشرف صفحة
للمجد فازدهرت عجيبه
ما كنت آخر حرّة
خفّت لعزّتها مجيبه
لا بل فنّك ” خولة ”
للذّود عن حرم سليبه
( سعدي : الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ج 1 ، ص : 223 )
وتعدّدت الرّموز التي وظّفت من أجل السموّ بنضال جميلة فعبد الوهاب البيّات لم ير من يضاهيها في هذه التضحية سوى المسيح لذا حملت قصيدته المهداة إلى جميلة عنوان ” المسيح الذي أعيد صلبه ” فهو يرى في حدث جميلة المسيح يبعث من جديد قائلا :
… يا أختي الصبيّة ، يا جميلة
أنّ ثلجا أسودا
يغمر بستان الطفولة
إنّ برقا أحمرا
يحرق صلبان البطولة
إنّحرفا ماردا
يولد في أرض الجزائر
يولد الليلة
لم تظفر به ريشة شاعر …
( دمشق 7 مارس 1958 )
وتتالت الرّموز التي وظفت من قبل الشعراء العرب كمعادل موضوعي لعنفوان جميلة ، هذا العنفوان الذي عرف أوج تألّقه كما قال الشاعر حسن البياتي في قصيدته التي حملت عنوان ” ضحكة جميلة ” وأضاف له هذه العتبة النصّية التي قال فيها : ” عندما تلي حكم الإعدام على المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد أغرقت في الضّحك فانفجر رئيس المحكمة صارخا : لا تضحكي فالمر خطير …”
أيّ ضحكه فجّري في فم جلاّد حقير
صرخه …
صرخة تنبض بالرّعب
بأحقاد فرنسا الهمجية
أيّ ضحكه
هزات بالموت
بالسّجن
بإرهاب عبيد الهتليريه
إنّها
ضحكة ” جان دارك ” الأبيّه
إنّها ضحكة أخت عربيه ……
( سعدي ” الثورة الجزائرية في الشعر العراقي ج:1 ص: 308 )
وراح الشعراء مرّة يرمزون لها بثبات أبي ذرّ الغفاري ، ومرّ ة” بخولة بنت الأزور ” ومرّة يصبّون جام غضبهم وحقدهم على فرنسا اللعينة الأمر الذي جعل الشاعر الكبير نزار قبّاني في نشره لأعماله الكاملة يجد نفسه في حرج ممّا قاله أثناء حادثة الحكم بالإعدام على جميلة التي انفجر فيها غيضا وخاطب فرنسا بأبشع الأوصاف كالكلاب والبغال والأنذال والأشراروهو ما حدا به إلى حذف جزء كبير من هذه القصيدة التي يرجع الفضل في الاحتفاظ بها كاملة إلى مجلة الآداب البيروتية ، وها نحن نذكّر القرّاء بهذه الأبيات المحذوفة التي تخاطب فرنسا بهذا الخطاب التقريري المباشر :
… يا ربي هل تحت الكوكب
يوجد إنسان
يوجد إنسان مهما كان
يرضى أن يأكل
أن يشرب
من جثّة امرأة تصلب
لكنّ فرنسا يا ربّي
ترضى أن تلعق كالكلب
من جثّة امرأة تصلب
من لحم جميلة بوحيرد
لاكوست وآلاف الأنذال
من جيش فرنسا المغلوبه
انتصروا الآن على جثه
جثة امرأة مصلوبه
فضمير فرنسا لم يوجد ….

لا توجد مقالات ذات صلة.

طباعة المقالة

أترك تعليقا